نذير حمدان

163

حكمة القرآن والحضارة

والاجتماعية والتربوية في أبرز نموذج إنساني هو لقمان الحكيم الذي سميت سورة كاملة باسمه ، فقد وعظ ابنه بها جميعا : التوحيد وبرّ الوالدين والاعتقاد والقدرة والعلم الإلهيين المطلقين ، وإقامة الشعائر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وآداب السلوك في الصبر والتواضع وخفض الصوت ، والمقصد الأكبر فيها تحميل التربويين مسئولياتهم سواء كانوا آباء وأمهات أو مربين اختصاصيين ( لقمان : 12 - 18 ) . - حكم متوقعة : وهي غالبا أعمال وتصرفات يرجى نفعها وتتوقع فائدتها في المستقبل القريب والبعيد ، وعندئذ تتحول إلى أهداف وتصير بمثابة غايات مستقبلية وقائية وبنائية تحرص على إزالة الظلم والذلّ عن المستضعفين وتحقق منافع دينية واجتماعية مثل ما وقع في سدّ ذي القرنين الذي صرح كثير من العلماء بحكمة بانيه إسكندر لحماية الضعفاء من بربرية جيرانهم ( الكهف 93 - 98 ) وقبله صاحب الجنتين ، الذي كان التعبير في رجائه ، قوله ( فعسى ربي . . . ) ( الكهف 32 - 44 ) ضرورة التحرر من الأنانية والطمع بالمال والتفاخر بالذات ، أما ( أوسط ) الإخوة في ( القلم 17 - 33 ) الذي سيأتي في ( الوسطية ) فهي الحكمة السامية التي ترقى بالأعمال الظاهرة لتأخذ مكانها في عالم المثل وفي دعوة رفيقة إلى التوبة ورجاء اللّه أن يبدلهم خيرا من جنّتهم حين وقعت لهؤلاء الإخوة قرب ( صنعاء ) . - حكم غيبية : وترتبط بالتصورات الإيمانية السليمة فيما وراء المحسوسات ، وهي خاصية لأناس لهم استشفافاتهم النفسية المتطلعة إلى المستقبل ، واطلاعاتهم على الزمان المجهول المخصوص ، ولذا فلا يقدر عليها سوى خواصّ الناس دون العامة ، وعندئذ فليس المطلوب منهم التقاضي بظواهرها مثل عجائب الخضر وموسى عليهما السلام السابقة ، والطريف أنها وقعت جميعها في إطار العملية التعليمية العجيبة ، وكان التعبير الصريح فيها وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ( الكهف 82 ) ينبئ عن رحابة العلم الشامل للواقع وما وراء الواقع ، وإذا كان النّموذج السابق يتحدث في شطر منه عن النبي موسى فإن قصة أصحاب الكهف ( الكهف 60 - 82 ) تظهر فيها حكمة الفتوة والإيمان والسمو على الملذات الموقتة ومنع الشباب